ابن الأثير
361
الكامل في التاريخ
فأخلصوا النيّة في ذلك وقصدوا شيخا وقالوا له : قد نزل بنا ما ترى فما نفعل ؟ فقال : آمنوا باللَّه وتوبوا وقولوا : يا حيّ يا قيوم ، يا حيّ حين لا حيّ ، يا حيّ محيي الموتى ، يا حيّ لا إله إلّا أنت . فخرجوا من القرية إلى مكان رفيع في براز من الأرض وفرقوا بين كلّ دابّة وولدها ثمّ عجّوا إلى اللَّه واستقالوه وردّوا المظالم جميعا حتى إن كان أحدهم ليقلع الحجر من بنائه فيردّه إلى صاحبه . فكشف اللَّه عنهم العذاب ، وكان [ يوم عاشوراء ] يوم الأربعاء ، وقيل : للنصف من شوّال يوم الأربعاء ، وانتظر يونس الخبر عن القرية وأهلها حتى مرّ به مارّ فقال : ما فعل أهل القرية ؟ فقال : تابوا إلى اللَّه فقبل منهم وأخّر عنهم العذاب . فغضب يونس عند ذلك فقال : واللَّه لا أرجع كذّابا ! ولم تكن قرية ردّ اللَّه عنهم العذاب بعد ما غشيهم إلّا قوم يونس ، ومضى مغاضبا لربّه . وكان فيه حدّة وعجلة وقلّة صبر ، ولذلك نهى النبيّ ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، أن يكون مثله ، فقال تعالى : وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ « 1 » . ولما مضى ظنّ أنّ اللَّه لا يقدر عليه ، أي يقضي عليه العقوبة ، وقيل : يضيّق عليه الحبس ، فسار حتى ركب في سفينة فأصاب أهلها عاصف من الريح ، وقيل : بل وقفت فلم تسر ، فقال من فيها : هذه بخطيئة أحدكم ! فقال يونس : هذه بخطيئتي فألقوني في البحر ، فأبوا عليه حتى أفاضوا بسهامهم فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ [ 1 ] ، فلم يلقوه ، وفعلوا ذلك ثلاثا ولم يلقوه ، فألقى نفسه في البحر ، وذلك تحت اللّيل ، فالتقمه الحوت ، فأوحى اللَّه
--> [ 1 ] ( سورة الصافات 37 ، الآية 141 ) . ( 1 ) . 48 . vs ، 68 . cor